ابن كثير

22

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

تجري يقال لها سلسبيل فينشق منها نهران [ أحدهما ] الكوثر [ والآخر ] يقال له نهر الرحمة ، فاغتسلت فيه فغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر . قال إني رفعت إلى الجنة فاستقبلتني جارية ، فقلت : لمن أنت يا جارية ؟ قالت : لزيد بن حارثة ، وإذا بأنهار من ماء غير آسن ، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ، وأنهار من خمر لذة للشاربين ، وأنهار من عسل مصفى ، وإذا رمانها كالدلاء عظما ، وإذا أنا بطيرها كأنها بختكم هذه ، فقال عندها صلّى اللّه عليه وسلّم إن اللّه تعالى قد أعد لعباده الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر - قال - ثم عرضت علي النار ، فإذا فيها غضب اللّه وزجره ونقمته ، ولو طرحت فيها الحجارة والحديد لأكلتها ثم أغلقت دوني . ثم إني رفعت إلى سدرة المنتهى فتغشاني فكان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى . قال وينزل على كل ورقة منها ملك من الملائكة - قال - وفرضت علي خمسون صلاة ، وقال لك بكل حسنة عشر ، فإذا هممت بالحسنة فلم تعملها كتبت لك حسنة ، فإذا عملتها كتبت لك عشرا ، وإذا هممت بالسيئة فلم تعملها لم يكتب عليك شيء ، فإن عملتها كتبت عليك سيئة واحدة . ثم رجعت إلى موسى فقال فيم أمرك ربك ؟ فقلت : بخمسين صلاة . قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك ، فإن أمتك لا تطيق ذلك ، ومتى لا تطيقه تكفر ، فرجعت إلى ربي فقلت : يا رب خفف عن أمتي ، فإنها أضعف الأمم ، فوضع عني عشرا وجعلها أربعين ، فما زلت أختلف بين موسى وربي كلما أتيت عليه قال لي مثل مقالته ، حتى رجعت إليه ، فقال لي : بم أمرت ؟ فقلت أمرت بعشر صلوات . قال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك ، فرجعت إلى ربي فقلت أي رب خفف عن أمتي فإنها أضعف الأمم فيوضع عني خمسا وجعلها خمسا فناداني ملك عندها تممت فريضتي وخففت عن عبادي وأعطيتهم بكل حسنة عشر أمثالها . ثم رجعت إلى موسى فقال : بم أمرت ؟ فقلت : بخمس صلوات . قال : ارجع إلى ربك فإنه لا يؤوده شيء ، فاسأله التخفيف لأمتك ، فقلت : رجعت إلى ربي حتى استحييت . ثم أصبح بمكة يخبرهم بالأعاجيب : إني أتيت البارحة بيت المقدس وعرج بي إلى السماء ، ورأيت كذا وكذا ، فقال أبو جهل يعني ابن هشام : ألا تعجبون مما قال محمد ؟ يزعم أنه أتى البارحة بيت المقدس ، ثم أصبح فينا وأحدنا يضرب مطيته مصعدة شهرا ومقفلة شهرا ، فهذه مسيرة شهرين في ليلة واحدة ، قال : فأخبرتهم بعير لقريش لما كنت في مصعدي رأيتها في مكان كذا وكذا ، وأنها نفرت ، فلما رجعت وجدتها عند العقبة ، وأخبرهم بكل رجل وبعيره كذا وكذا ، ومتاعه كذا وكذا ، فقال أبو جهل : يخبرنا بأشياء ، فقال رجل منهم : أنا أعلم الناس ببيت المقدس ، وكيف بناؤه وهيئته ، وكيف قربه من الجبل ، فإن يك محمد صادقا فسأخبركم وإن يك كاذبا فسأخبركم ، فجاء ذلك المشرك فقال : يا محمد أنا أعلم الناس ببيت المقدس فأخبرني : كيف بناؤه ، وكيف هيئته ، وكيف قربه من الجبل ؟ قال فرفع لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بيت المقدس من